الجاحظ

161

البخلاء

قال : وكان الغزال أعجوبة في البخل ، وكان يجيء من منزله ومعه رغيف في كمه ، فكان أكثر دهره يأكله بلا أدم ، فإذا أعيا عليه الأمر أخذ من ساكنه جوّافة بحبّة « 1 » وأثبت عليها فلسا في حسابه . فإذا أراد أن يتغدّى أخذ الجوافة ، فمسحها على وجه الرغيف ، ثم عضّ عليه . وربما فتح بطن الجوافة فبّطن جنبيها وبطنها باللقمة بعد اللقمة . فإذا خاف أن ينهكها ذلك وينضم بطنها ، طلب من ذلك السمّاك شيئا من ملح السمك . فحشا جوفها لينفخها ، وليوهم أن هذا هو ملحها الذي ملَّحت به . ولربما غلبت شهوته ، فكدم « 2 » طرف أنفها ، وأخذ من طرف الأرنبة ما يسيغ به لقمته . وكان ذلك منه لا يكون إلا في آخرها لقمة ، ليطيب فمه بها ، ثم يضعها في ناحية ، فإذا اشترى من امرأة غزلا أدخل تلك الجوافة في ثمن الغزل ، من طريق إدخال العروض ، وحسبها عليها بفلس . فيسترجع رأس المال ، ويفضل الأدم . ابن المقفع وابن جذام : وروى أصحابنا عن عبد اللَّه بن المقفع ، قال : كان ابن جذام الشبي يجلس إليّ ، وكان ربما انصرف معي إلى المنزل ، فيتغدى معنا ويقيم إلى أن يبرد . وكنت أعرفه بشدة البخل وكثرة المال . فألحّ علي في الاستزارة « 3 » ، وصمّمت عليه في الامتناع . فقال : جعلت فداك أنت تظن أنّي ممن يتكلَّف وأنت تشفق عليّ ؟ لا واللَّه إن هي إلا كسيرات « 4 » يابسة ، وملح ، وماء الحب . فظننت أنه يريد

--> « 1 » الجوافة : ضرب من الأسماك . الحبة : جزء من الدرهم الاسلامي ، وهو اردأه . « 2 » كدم : عضّ . « 3 » الاستزاره : دعاه لزيارته . « 4 » كسيرات : فضلات .